الأحد، 8 نوفمبر 2015

ما هي القاعدة؟ القاعدة بحسب الأصطلاح الفقهي عبارة عن الأصل الكلي الذي ثبت من أدلته الشرعية وينطبق بنفسه على مصاديقه إنطباق الكلي الطبيعي على مصاديقه، كقاعدة الطهارة مثلا



ما هي القاعدة؟

 القاعدة بحسب الأصطلاح الفقهي عبارة عن الأصل الكلي الذي ثبت من أدلته الشرعية وينطبق بنفسه على مصاديقه إنطباق الكلي الطبيعي على مصاديقه، كقاعدة الطهارة مثلا فإن هذه القاعدة تنطبق على كل مورد شك في طهارته (المصاديق) وبما أن التطبيق على المصداق (الشك في طهارة شئ خاص) يكون جزئيا كانت نتيجة القاعدة الفقهية جزئية بخلاف المسائل الاصولية فانها تقع واسطة لأستنباط الأحكام الكلية الفرعية، كاستنباط الوجوب للصلاة بواسطة دلالة الأمر (أقيموا) على الوجوب. والذي يهمنا هنا هو بيان الفرق بين القواعد الفقهية والاصول اللفظية والعملية ومن الجدير بالذكر ما أفاده سيدنا الاستاذ حول الفرق بين المسألتين وهو على ما يلي: الركيزة الاولى: (في المسألة الاصولية) أن تكون استفادة الأحكام الشرعية الألهية من المسألة من باب الاستنباط والتوسيط لا من باب التطبيق (أي تطبيق مضامينها بنفسها على مصاديقها) كتطبيق الطبيعي على افراده. والنكتة في إعتبار ذلك في تعريف علم الاصول ما هي الاحتراز عن القواعد الفقهية فانها قواعد تقع في طريق استفادة الأحكام الشرعية الألهية، ولا يكون
ذلك من باب الاستنباط والتوسيط بل من باب التطبيق، وبذلك خرجت عن التعريف. ولكن ربما يورد عليه بان اعتبار ذلك يستلزم خروج عدة من المباحث الاصولية المهمة عن علم الاصول، كمباحث الاصول العملية الشرعية والعقلية، والظن الانسدادي بناء على الحكومة، فان الأولى منها لا تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي الكلي، لأن إعمالها في مواردها إنما هو من باب تطبيق مضامينها على مصاديقها لا من باب استنباط الأحكام الشرعية منها وتوسيطها لأثباتها. والأخيرتين منها لا تنتهيان إلى حكم شرعي أصلا لا واقعا ولا ظاهرا. وبتعبير آخر: أن الأمر في المقام يدور بين المحذورين: فان هذا الشرط على تقدير اعتباره في التعريف، يستلزم خروج هذه المسائل عن مسائل هذا العلم، فلا يكون جامعا، وعلى تقدير عدم اعتباره فيه يستلزم دخول القواعد الفقهية فيها فلا يكون مانعا. فإذا لا بد من أن نلتزم بأحد هذين المحذورين: فإما أن نلتزم اعتبار هذا الشرط لتكون نتيجته خروج هذه المسائل عن كونها اصولية، أو نلتزم بعدم اعتباره لتكون نتيجته دخول القواعد الفقهية في التعريف، ولا مناص من أحدهما. والتحقيق في الجواب عنه هو: أن هذا الأشكال مبتن على أن يكون المراد بالاستنباط المأخوذ ركنا في التعريف الاثبات الحقيقي بعلم أو علمي، إذ على هذا لا يمكن التفصي عن هذا الأشكال أصلا، ولكنه ليس بمراد منه، بل المراد به معنى جامع بينه وبين غيره، وهو الاثبات الجامع بين أن يكون وجدانيا أو شرعيا أو تنجيزيا أو تعذيريا، وعليه فالمسائل المذكورة تقع في طريق الاستنباط، لأنها تثبت التنجيز مرة والتعذير مرة اخرى، فيصدق عليها حينئذ التعريف لتوفر هذا الشرط فيها، ولا يلزم - إذا - محذور دخول القواعد الفقهية فيه. نعم، يرد هذا الأشكال على التعريف المشهور وهو: (العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الاحكام الشرعية الفرعية) فإن ظاهرهم أنهم أرادوا بالاستنباط،
الاثبات الحقيقي، وعليه فالأشكال وارد، ولا مجال للتفصي عنه، كما عرفت. ولو كان مرادهم المعنى الجامع الذي ذكرناه، فلا واقع له أصلا كما مر. وعلى ضوء هذا البيان، ظهر الفرق بين المسائل الاصولية والقواعد الفقهية، فإن الأحكام المستفادة من القواعد الفقهية، سواء كانت مختصة بالشبهات الموضوعية كقاعدة الفراغ واليد والحلية ونحوها، أم كانت تعم الشبهات الحكمية أيضا كقاعدتي لا ضرر ولا حرج بناء على جريانهما في موارد الضرر أو الحرج النوعي، وقاعدتي ما يضمن وما لا يضمن وغيرها، إنما هي من باب تطبيق مضامينها بانفسها على مصاديقها، لا من باب الاستنباط والتوسيط، مع أن نتيجتها في الشبهات الموضوعية نتيجة شخصية، هذا والصحيح أنه لا شئ من القواعد الفقهية تجري في الشبهات الحكمية، فإن قاعدتي نفي الضرر والحرج لا تجريان في موارد الضرر أو الحرج النوعي، وقاعدة ما يضمن أساسها ثبوت الضمان باليد مع عدم إلغاء المالك لاحترام ماله، فالقواعد الفقهية نتائجها أحكام شخصية لا محالة، وعلى كل حال فالنتيجة هي أن القواعد الفقهية من حيث عدم توفر هذا الشرط فيها غير داخلة في المسائل الاصولية. وعلى هذا الأساس ينبغي لك أن تميز كل مسألة ترد عليك أنها مسألة اصولية أو قاعدة فقهية (1). قال المحقق النائيني بيانا للفرق بين المسألتين، بأن المسألة الاصولية تختص للمجتهد وأما: المسألة الفقهية لا بد وأن تكون بحيث يلقى نتيجتها بنفسها الى المكلفين ويوكل التطبيق الى نظرهم (2). هناك شبهة حول الفرق بين القاعدة وبين البراءة والاحتياط الشرعيين كما قال سيدنا الاستاذ:

(1) محاضرات: ج 1 ص 13. (2) أجود التقريرات: ج 2 ص 211.
أما الشبهة: فهي توهم أن مسألتي البراءة والاحتياط الشرعيين، خارجتان عن تعريف علم الاصول، لعدم توفر الشرط المتقدم فيهما، إذ الحكم المستفاد منهما في مواردهما إنما هو من باب التطبيق لا من باب الاستنباط. وأما الدفع: لو سلمنا عملية التطبيق فيهما فلا نسلم أنهما خارجتان من مسائل هذا العلم وذلك لأنهما واجدتان لخصوصية بها إمتازتا عن القواعد الفقهية، وهي كونهما بما ينتهي إليه أمر المجتهد في مقام الأفتاء بعد اليأس عن الظفر بالدليل الاجتهادي كإطلاق أو عموم، وهذا بخلاف تلك القواعد فانها ليست واجدة لها، بل هي في الحقيقة أحكام كلية إلهية استنبطت من أدلتها لمتعلقاتها وموضوعاتها، تنطبق على مواردها بلا أخذ خصوصية فيها أصلا كاليأس عن الظفر بالدليل الاجتهادي ونحوه، فهما بتلك الخصوصية امتازتا عن القواعد الفقهية، ولأجلها دونتا في علم الاصول وعدتا من مسائله (1). وبذلك تبين لنا بكل وضوح الفرق بين القاعدة والعقليين منهما. أضف الى ذلك عدم تحقق الحكم هناك من الأساس كما قال سيدنا الاستاذ اما الاصول العقلية فلا تنتهي: الى حكم شرعي اصلا لا واقعا ولا ظاهرا (2). واما الفرق بين القاعدة والاستصحاب فالتحقيق أنها قد تنطبق على الاستصحاب وقد تختلف كما قال سيدنا الاستاذ في أن البحث عن الاستصحاب هل يكون بحثا عن مسألة اصولية أو فقهية؟ فيقول: أما على القول باختصاص حجية الاستصحاب بالشبهات الموضوعية وعدم حجيته في الأحكام الكلية الألهية كما هو المختار، فالبحث عنه يرجع إلى البحث عن قاعدة فقهية مستفادة من الأخبار فيكون الاستصحاب من القواعد الفقهية كقاعدة الطهارة وقاعدة التجاوز، ويعتبر فيه حينئذ اليقين السابق والشك اللاحق من المقلد، ولا يكفي

(1) محاضرات: ج 1 ص 13. (2) نفس المصدر، وعليه فلا يتحقق المجال لبيان الفرق.
تحققهما من المجتهد بالنسبة إلى تكليف المقلد، فلو كان المقلد متيقنا بالطهارة من الحدث وشك في الحدث فرجع إلى المجتهد، فلا بد له من الأفتاء بابقاء الطهارة عملا وإن كان المجتهد متيقنا بكونه محدثا. نعم، اليقين والشك من المجتهد إنما يعتبران في جريان الاستصحاب بالنسبة إلى تكليف نفسه لا بالنسبة إلى المقلد، وكذا جميع القواعد الفقهية كقاعدة الفراغ من الصلاة في ما إذا شك في نقصان ركن من أركان صلاته، فيفتي له المجتهد بالصحة لأجل الفراغ وإن كان هو عالما بنقصان ركن من أركان صلاته، ولا يقبل قوله بنقصان الركن إلا من باب الشهادة إذا اعتبرنا شهادة العدل الواحد في أمثال هذه المقامات، وأما على القول بحجيته في الأحكام الكلية أيضا بأن يقال الشك المأخوذ في الاستصحاب شامل لما كان منشأه عدم وصول البيان من قبل الشارع، أو الأمر الخارجية، ويشمل الصورتين دليل واحد، كما مر نظيره في شمول حديث الرفع للشبهات الحكمية والموضوعية، لكون المراد منه كل حكم مجهول سواء كان منشأ الجهل عدم تمامية البيان من قبل الشارع كإجمال النص، أو الامور الخارجي. ولا يلزم استعمال اللفظ في المعنيين فيكون الاستصحاب حينئذ ذا جهتين: فمن جهة كونه حجة في الأحكام الكلية يكون البحث عنه بحثا عن مسألة اصولية، لما ذكرناه في أول هذه الدورة من أن الميزان في المسألة الاصولية إمكان وقوع النتيجة في طريق استنباط الأحكام الشرعية بلا إحتياج إلى مسألة اخرى: أي أن المسألة الاصولية ما يمكن أن تقع نتيجتها في كبرى القياس الذي ينتج نفس الحكم بلا احتياج إلى شئ آخر، وحينئذ يعتبر فيه اليقين السابق والشك اللاحق من المجتهد كما في سائر القواعد الاصولية، فبعد تحقق اليقين السابق والشك اللاحق من المجتهد بالنسبة إلى حكم شرعي كلي كنجاسة الماء المتمم كرا وحرمة وطء الحائض بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال، يستصحب هذا الحكم الكلي
ويفتي بنجاسة الماء وحرمة وطء الحائض. ويجب على المقلد اتباعه من باب رجوع الجاهل إلى العالم. ومن جهة كونه حجة في الأحكام الجزئية والموضوعات الخارجية يكون البحث عنه بحثا عن مسألة فقهية، كما ذكرناه سابقا، ولا مانع من إجتماع الجهتين فيه، فإنه يثبت كونه قاعدة اصولية وقاعدة فقهية بدليل واحد وهو قوله عليه السلام: (لا تنقض اليقين بالشك) فإن اطلاقه شامل لليقين والشك المتعلقين بالأحكام الكلية، واليقين والشك المتعلقين بالأحكام الجزئية أو الموضوعات الخارجية كما مر نظيره في بحث حجية الخبر الواحد بناء على حجية الخبر في الموضوعات أيضا. فإن إطلاق دليل الحجية يشمل ما لو تعلق الخبر بالأحكام وما لو تعلق بالموضوعات، فبدليل واحد يثبت كونها قاعدة اصولية وقاعدة فقهية، ولا مانع منه أصلا (1). والمتحصل مما أسلفناه هو أن الفرق بين القاعدة الفقهية والمسائل الاصولية (الحجج والأمارات) يتواجد في مراحل ثلاث: 1 - المرحلة النظرية: إن الاصول العلمية التي تعبر عنها باصول الاستنباط تكون محورة الأنظار للمجتهدين فحسب، ولاحظ لغير المجتهد منها. واما القواعد الفقهية تكون في معرض إستفادة العوام المقلدين أيضا كما مر بنا ما أفاده المحقق النائيني. 2 - المرحلة العملية: إن الدور العملي للاصول هو التوسيط في إستنباط الاحكام الشرعية. ودور القاعدة هو تطبيق القانون الكلي في الموارد الجزئية كما مثلنا لهما في بداية البحث. 3 - مرحلة الأستنتاج: فان نتيجة الاصول تكون أحكاما كلية، ونتيجة القواعد تكون أحكاما جزئية.

(1) مصباح الاصول: ج 3 ص 8.


إلى هنا تم الفرق بين القاعدة الفقهية والاصول الاستنباطية وأما الفرق بينها وبين الاصول العملية فقد مر بنا بيان الفرق بين القاعدة والاستصحاب على ما افاده سيدنا الاستاذ، ولا مبرر للتكرار. وكذلك تبين مما اسلفناه تواجد الميز بين القاعدة وبين البراءة والاحتياط بأن الافتراق هناك انما يكون بحسب مكانتهما العلمية. ويمكننا أن نحاول في نهاية المطاف فرقا مبدئيا بين القاعدة والاصول العملية الشرعية (البراءة والاحتياط) وهو: أن مؤدى القواعد يكون أحكاما واقعية، وأدلة اعتبارها تكون الأدلة الاجتهادية. بينما يكون مؤدى الاصول العملية الشرعية احكاما ظاهرية، وادلتها تكون الأدلة الفقاهتية. وقد يشكل بأن مؤدى قسم من القواعد كقاعدة: لا تعاد، وما شاكلها يكون حكما واقعيا وأما القسم الاخر منها كقاعدة الطهارة وما شاكلها مجعولة عند تواجد الشك والتردد بالنسبة الى الحكم الواقعي، فيكون مؤداها حكما ظاهريا. ويرد هذا الاشكال بأن مؤدى قاعدة الطهارة وما يماثلها يكون حكما واقعيا تنزيليا. كما قال المحقق صاحب الكفاية رحمه الله: والتحقيق: أن ماكان منه (الامر الظاهري) يجري في تنقيح ما هو موضوع التكليف، وتحقيق متعلقه، وكان بلسان تحقق ما هو شرطه أو شطره، كقاعدة الطهارة أو الحلية بالنسبة الى كلما اشترط بالطهارة أو الحلية يجزي، فان دليله يكون حاكما على دليل الأشتراط، ومبينا لدائرة الشرط، وأنه أعم من الطهارة الواقعية والظاهرية (1) فعلى ضوء ذلك البيان كان مؤدى قاعدة الطهارة توسعة دائرة الشرطية الى أن تشمل الطهارة الواقعية والتنزيلية. وعليه لا يكون مؤداها حكما ظاهريا مجعولا عند الحيرة العملية. (1) كفاية الاصول: ج 1 ص 133.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق