الأحد، 8 نوفمبر 2015

قاعدة الأتلاف المعنى: المراد من الأتلاف هنا هو إستهلاك مال مسلم بدون الأذن والرضا أعم من أن يكون عن عمد أو عن خطأ، ويكون مفادها هو الضمان على من يتلف مال




قاعدة الأتلاف

 المعنى: المراد من الأتلاف هنا هو إستهلاك مال مسلم بدون الأذن والرضا أعم من أن يكون عن عمد أو عن خطأ، ويكون مفادها هو الضمان على من يتلف مال الغير، كما اشتهر في ألسن المتقدمين والمتأخرين قولهم: (من أتلف مال الغير فهو له ضامن)، فإذا تحقق إتلاف مال الغير بدون إذنه ورضاه وبدون قصد الأحسان إليه يكون المتلف هو الضامن حتى يؤدي ما أتلفه إلى مالكه قيمة أو مثلا. ولا يخفى أنه قد يعبر عن هذه القاعدة (الأتلاف) بقاعدة من أتلف. المدرك: يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بما يلي: 1 - الايات: منها قوله تعالى: وجزاء سيئة سيئة مثلها (1). فيستفاد من اطلاق هذه الاية أن جزاء التعدي والأتلاف هو المؤاخذة والضمان ولكن لا يخفى أن المنصرف من السيئة خصوص فرض العمد فيصبح الدليل اخص من المدعى. ومنها قوله تعالى: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم (2). (1) الشورى: 40. (2) البقرة: 194.
قال شيخ الطائفة رحمه الله: إذا غصب غاصب من هذا (ماله المثل) شيئا، فان كان قائما رده وإن كان تالفا (قد أتلفه الغاصب) فعليه مثله، لقوله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم فإذا ثبت أنه يضمن بالمثل (بحسب ظهور الاية) فان كان المثل موجودا طالبه به وإستوفاه، وإن أعوذ المثل طالبه بقيمته (1). والتحقيق أن يقال استدلالا على اعتبار القاعدة بهذه الاية: أن إتلاف مال الغير نحو من الاعتداء فإذا تحقق ذلك (إخراج المال عن يد المالك) يتحقق المجال للاعتداء المتقابل فيكون حق التدارك لمن اعتدى عليه وهذا الحق فرع الضمان على المعتدي وإلا فلا معنى للاستدراك. ولكن لا يخفى أن الاعتداء هو الاتلاف عمدا ولا يشمل فرض الخطأ والنسيان فالدليل أخص من المدعى. 2 - الروايات: منها صحيحة أبي ولاد في اكترائه البغل من الكوفة إلى قصر أبي هبيرة وتخلفه عنه فذهب من الكوفة إلى النيل وبغداد ذهابا وايابا، قال: فأخبرت أبا عبد الله عليه السلام فقال: (أرى له عليك مثل كراء البغل ذاهبا من الكوفة إلى النيل، ومثل كراء البغل من النيل إلى بغداد، ومثل كراء البغل من بغداد إلى الكوفة وتوفيه أياه) (2). دلت على أنه من أتلف مال الغير (المال أو المنفعة) يكون ضامنا، ويجب عليه الوفاء بالمثل أو القيمة. ومنها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الشئ يوضع على الطريق فتمر الدابة فتنفر بصاحبها فتعقره، فقال: (كل شئ يضر بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه (1). فيستفاد من عموم هذه الصحيحة أن كل من يوجب تلف مال المسلم، يكون ضامنا لما يتلفه. (1) المبسوط: ج 3 ص 60. (2) الوسائل: ج 17 ص 313 باب 7 كتاب الغصب ح 1. 0 (3) الوسائل: ج 19 ص 181 باب 9 من أبواب موجبات الضمان ج 1
ومنها صحيحة زرارة (1). ومنها موثقة سماعة (2) ومدلولهما نفس مدلول الصحيح المتقدم. قال العلامة الاصفهاني رحمه الله: الظاهر أنه (إتلاف) مأخوذ من الموارد الخاصة المحكوم عليها بالضمان، كما في الرهن والمضاربة والوديعة والعارية والأجارة، فإنه حكم فيها بالضمان مع التعدي والتفريط، وكذا في غيرها كقوله: من أضر... الخ. والظاهر بل المقطوع أنه لا (يكون) لخصوصية لتلك الموارد على كثرتها وتشتتها، ولذا جعلوا الأتلاف سببا للضمان كلية (3). والأمر كما أفاده. 3 - التسالم: قد اتفق الفقهاء على مدلول القاعدة، ويقال أن الأمر متسالم عليه عند الفريقين، كما قال السيد الحكيم رحمه الله: استفاض نقل الأجماع صريحا وظاهرا عليه (مدلول القاعدة) في محكي جماعة (4). وقيل: إن القاعدة من ضروريات الفقه، وكيف كان فلا خلاف ولا إشكال في مدلول القاعدة. بقي أمران الأول: ما هو المدار في الضمان؟ قال السيد اليزدي: المدار في الضمان على قيمة يوم الأداء في القيميات لا يوم التلف ولا أعلى القيم على الأقوى (5) وما ذكره مطابق للقواعد ولكن المستفاد من صحيحة أبي ولاد هو: أن العبرة بيوم الضمان، كما قال سيدنا الاستاذ: فإن صحيحة أبي ولاد لا قصور في دلالتها على أن العبرة بقيمة يوم الضمان المعبر عنه فيها بيوم المخالفة (1). الثاني: هل يشترط في تحقق الأتلاف مباشرة المتلف أم لا؟ من المعلوم أن الأتلاف بالمباشرة كأكل ما يؤكل وشرب ما يشرب من مال الغير مما لا شك في

(1) الوسائل: ج 19 ص 179 باب 8 من أبواب موجبات الضمان ح 1 (2) الوسائل: ج 19 ص 180 باب 8 من أبواب موجبات الضمان ح 3. (3) حاشية المكاسب: ص 87. (4) مستمسك العروة: ج 11 ص 70. (5) العروة الوثقى: ص 507. (6) مستند العروة: كتاب الاجارة ص 242.
كونه موجبا للضمان، وأما إذا كان العمل سببا لتلف مال الغير كحفر البئر في الطريق الموجب لعقر الدابة فهل يوجب الضمان أيضا أم لا؟ التحقيق: أن السبب إذا كان على نهج يستند التلف إليه عرفا بدون واسطة فاعل عاقل في البين موجب للضمان قطعا، وذلك - مضافا إلى تسالم الفقهاء كما إدعى صاحب الجواهر نفي الخلاف في المسألة - لأن الحكم منصوص في الروايات منها صحيحة الحلبي المتقدمة. فرعان الأول: قال السيد اليزدي رحمه الله: إذا عثر الحمال فسقط ما كان على رأسه أو ظهره مثلا ضمن، لقاعدة الأتلاف (1). الثاني: قال: إذا أفسد الأجير للخياطة أو القصارة أو لتفصيل الثوب ضمن، وكذا الحجام إذا جنى في حجامته، أو الختان في ختانه، وكذا الكحال والبيطار وكل من آجر نفسه لعمل في مال المستأجر إذا أفسده يكون ضامنا إذا تجاوز عن الحد المأذون فيه، وان كان بغير قصده، لعموم من أتلف، وللصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يعطي الثوب ليصبغه (فيفسده)، فقال عليه السلام: (كل عامل أعطيته أجرا على أن يصلح فأفسد فهو ضامن) (2). وقال سيدنا الاستاذ حول هذا الفرع: يدلنا على ما ذكره قدس سره من الكبرى الكلية أعني ضمان الأجير في كل مورد أفسد مع تجاوزه عن الحد المأذون فيه ما أشار قدس سره إليه من قاعدة الأتلاف أولا حيث أن الأفساد مصداق بارز لأتلاف المال كلا أو بعضا ولو بورود النقص عليه وصحيحة الحلبي (المتقدمة)، ثانيا - إلى أن قال -: فالرواية صحيحة على كل تقدير كما أنها ظاهرة الدلالة على الكبرى الكلية وإن كان السؤال عن مورد خاص فالحكم ثابت بلا إشكال (3).

(1) و (2) العروة الوثقى. (3) مستند العروة: كتاب الاجازة ص 246

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق